الشيخ الطوسي
14
التبيان في تفسير القرآن
يجوز على وجه البداء وهو أن يأمر الله عز وجل عندهم بالشئ ولا يبدو له ، ثم يبدو له فيغيره ، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيره هو ويبدله وينسخه ، لأنه عندهم لا يعلم الشئ حتى يكون ، إلا ما يقدره فيعلمه علم تقدير ، وتعجرفوا فزعموا أن ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة ) وأظن أنه عنى بهذا أصحابنا الإمامية ، لأنه ليس في الأمة من يقول بالنص على الأئمة عليهم السلام سواهم فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم ، لأنهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمة ( ع ) ولا أحد منهم يقول بحدوث العلم وإنما يحكى عن بعض من تقدم من شيوخ المعتزلة - كالنظام والجاحظ وغيرهما - وذلك باطل وكذلك لا يقولون : ان المتأخر ينسخ المتقدم إلا بالشرط الذي يقوله جميع من أجاز النسخ ، وهو أن يكون بينهما تضاد وتناف لا يمكن الجمع بينهما ، واما على خلاف ذلك فلا يقوله محصل منهم . والوجه في تكرير القصة بعد القصة في القرآن ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الانباء والقصص مكررة ، لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم ، وقصة نوح إلى قوم آخرين ، فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع ، ويثبتها في كل قلب ، ويزيد الحاضرين في الافهام وتكرار الكلام من جنس واحد ، وبعضه يجري على بعض ، كتكراره في : قل يا أيها الكافرون ، وسورة المرسلات ، والرحمن فالوجه فيه ، ان القرآن نزل بلسان القوم ، ومذهبهم في التكرار - إرادة للتوكيد وزيادة في الافهام - معروف كما أن من مذهبهم الايجاز والاختصار إرادة للتخفيف وذلك أن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون ، وخروجه من شئ إلى شئ ، أحسن من اقتصاره من المقام على فن واحد . وقد يقول القائل : والله لأفعله ثم والله لأفعله ، إذا أراد التوكيد كما يقول : افعله بحذف اللام إذا أراد الايجاز قال الله تعالى : " كلا سوف تعلمون